فصل: قال الزمخشري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الزمخشري:

(فإن قلت): كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضًا لله تعالى في إملائه لهم؟ (قلت): هو علة الإملاء، وما كلّ علة بغرض.
ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشرّ، وليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب.
فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإملاء، وسببًا فيه.
(فإن قلت): كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ (قلت): لمّا كان في علم الله المحيط بكلّ شيء أنَّهم مزدادون إثمًا، فكان الإملاء وقع لأجله وبسببه على طريق المجاز انتهى كلامه.
وكله جار على طريقة المعتزلة.
وقال الماتريدي: المعتزلة تناولوها على وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير.
أي: ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادو إثمًا، إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
الثاني: أنّ هذا إخبار منه سبحانه وتعالى عن حسبأنهم فيما يؤول إليه أمرهم في العاقبة، بمعنى أنهم حسبوا أن إمهالهم في الدّنيا وإصابتهم الصحة والسلامة والأموال خير لأنفسهم في العاقبة، بل عاقبة ذلك شرٌّ.
وفي التأويل إفساد النظم، وفي الثاني تنبيه على من لايجوز تنبيهه.
فإنّ الأخبار عن العاقبة يكون لسهو في الابتداء أو غفله، والعالم في الابتداء لا ينبه نفسه انتهى كلامه.
وكتبوا ما متصلة بأن في الموضعين.
قيل: وكان القياس الأولى في علم الخط أن تكتب مفصوله، ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا تخالف، ونتبع سنة الإمام في المصاحف.
وأما الثانية، فحقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون العمل، ولا يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي.
ولا مصدرية، لأن لازم كي لا يصحّ وقوعها خبر للمبتدأ ولا لنواسخه.
وقيل: اللام في ليزدادوا للصيرورة. اهـ. بتصرف يسير.

.قال الفخر:

احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه:
الأول: أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر.
الثاني: أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة الله، ثم أنه تعالى أكد ذلك بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين.
الثالث: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الإملاء، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم.
قالت المعتزلة:
أما الوجه الأول: فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير، إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة، فبين تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء، ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل، أن لا يكون هذا الاملاء في نفسه خيرا.
وأما الوجه الثاني: فقد قالوا: ليس المراد من الآية أن الغرض من الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} [النساء: 64] بل الآية تحتمل وجوها من التأويل: أحدها: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى: {فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] وقوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الأعراف: 179] وقوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} [إبراهيم: 30] وهم ما فعلوا ذلك لطلب الإضلال، بل لطلب الاهتداء، ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك، وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم وثالثها: أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تماديا في الغي والطغيان، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز.
ورابعها: وهو السؤال الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله: {لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} غير محمول على الغرض باجماع الأمة، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض، وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الإحسان، وإذا كان كذلك فقد حصل الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال، ثم بعد هذا: قول القائل: ما المراد من هذه اللام غير ملتفت إليه، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل، فإذا بطل ذلك سقط استدلاله.
وأما الوجه الثالث: وهو الأخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من الفعل لمنع الله منه، ويلزم أن يكون الله موجبًا لا مختارا، وهو بالاجماع باطل.
والجواب عن الأول: أن قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ} معناه نفي الخيرية في نفس الأمر، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح، فلما لم يذكر الله هاهنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر.
وأما السؤال الثاني: وهو تمسكهم بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وبقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ} [النساء: 64].
فجوابه: أن الآية التي تمسكنا بها خاص، والآية التي ذكرتموها عام، والخاص مقدم على العام.
وأما السؤال الثالث: وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر، وأيضا فإن البرهان العقلي يبطله؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لابد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب، وعدم حصوله محال، وإرادة المحال محال، فيمتنع أن يريد منهم الإيمان، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة.
وأما السؤال الرابع: وهو التقديم والتأخير.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقديم والتأخير ترك للظاهر.
وثانيها: قال الواحدي رحمه الله: هذا إنما يحسن لو جازت قراءة {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ} بكسر {إنما} وقراءة {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} بالفتح.
ولم توجد هذه القراءة ألبتة.
وثالثها: أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الإملاء حصول الطغيأن لا حصول الإيمان، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع.
وأما السؤال الخامس: وهو قوله: هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل.
فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع، وأيضا قوله: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان إليهم، والقوم لا يقولون بذلك، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه.
وأما السؤال السادس: وهو المعارضة بفعل الله تعالى.
فالجواب: أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه، فلم يمكن أن يكون العلم مانعًا عن القدرة.
أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه، فصلح أن يكون هذا العلم مانعًا للعبد عن الفعل، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا} استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء خيرًا، أي ما هو بخير لأنّهم يزدادون في تلك المدّة إثمًا.
و(إنما) هذه كلمة مركّبة من (إِنّ) حرف التوكيد وما الزائدة الكافّة وهي أداة حصر أي: ما نملي لهم إلاّ ليزدادوا إثمًا، أي فيكون أخذهم به أشدّ فهو قصر قلب.
ومعناه أنه يملي لهم ويؤخّرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثمًا في تلك المدّة، فيشتدّ عقابهم على ذلك، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيرًا لهم، بل هو شرّ لهم.
واللام في {ليزدادوا إثمًا} لام العاقبة كما هي في قوله تعالى: {ليكون لهم عدوًا وحزنًا} [القصص: 8] أي: إنما نملي لهم فيزدادون إثمًا، فلمّا كان ازدياد الإثم ناشئًا عن الإملاء، كان كالعلّة له، لاسيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملَى لهم علم أنّهم يزدادون به إثمًا، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلّة، أمّا علّة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلال وأهله والشياطين والأشياء الضارّة.
وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام، وهي ممّا استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه.
وتعليلُ النهي على حسبان الإملاء لهم خيرًا لأنفسهم حاصل، لأنّ مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدّة الإملاء. اهـ.

.قال القرطبي:

والآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب.
كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان.
وعن ابن عباس قال: ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًا} وتلا {وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أخرجه رزِين. اهـ.

.قال الفخر:

اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم الدينية، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية، اختلف فيه قول أصحابنا، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من النعم الدنيوية تمسكوا بهذه الآية، وقالوا هذه الآية دالة على أن إطالة العمر وإيصاله إلى مراداته في الدنيا ليس شيء منها نعمة، لأنه تعالى نص على أن شيئًا من ذلك ليس بخير، والعقل أيضا يقرره وذلك لأن من أطعم إنسانا خبيصا مسموما فإنه لا يعد ذلك إلا طعام إنعاما، فإذا كان المقصود من إعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم يكن شيء منها نعمة حقيقة، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في الظاهر، وانه لا طريق إلى التوفيق بين هذه الآية وبين تلك الآيات إلا أن نقول: تلك النعم نعم في الظاهر ولكنها نقم وآفات في الحقيقة، والله أعلم. اهـ.

.قال الألوسي:

وإنما وصف عذابهم بالإهانة لأنه كما قال شيخ الإسلام لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر وصفه به ليكون جزاؤهم جزاءًا وفاقًا قاله شيخ الإسلام ويمكن أن يقال إن ذلك إشارة إلى رد ما يمكن أن يكون منشأ لحسبأنهم وهم أنهم أعزة لديه عز وجل إثر الإشارة إلى ردّه بنوع آخر. اهـ.

.قال السمرقندي:

روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من بر وفاجر إلا والموت خير له، لأنه إن كان برًا فقد قال الله تعالى: {لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] وإن كان فاجرًا فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا}. اهـ.

.قال أبو حيان:

ووصف تعالى عذابه في مقاطع هذه الآيات الثلاث: بعظيم، وأليم، ومهين.
ولكل من هذه الصفات مناسبة تقتضي ختم الآية بها.
أما الأولى فإن المسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله والتحلي به يقتضي جلالة ما سورع فيه، وأنه من النفاسة والعظم بحيث يتسابق فيه، فختمت الآية بعظم الثواب وهو جزاؤهم على المسارعة في الكفر إشعارًا بخساسة ما سابقوا فيه.
وأما الثانية فإنه ذكر فيها اشتراء الكفر بالإيمان، ومن عادة المشتري الاغتباط بما اشتراه والسرور به والفرح، فختمت الآية لأن صفقته خسرت بألم العذاب، كما يجده المشتري المغبون في تجارته.
وأما الثالثة فإنه ذكر الإملاء وهو الإمتاع بالمال والبنين والصحة وكان هذا الإمتاع سببًا للتعزز والتمتع والاستطاعة فختمت الآية بإهانة العذاب لهم.
وأن ذلك الإملاء المنتج عنه في الدنيا التعزز والاستطالة مآله في الآخرة إلى إهانتهم بالعذاب الذي يهين الجبابرة. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)}.
ومن تمام المكر بهم، والمبالغة في عقوبتهم أَنَّا نعذِّبهم وهم لا يشعرون؛ {سِنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] نملي لهم فيظنون ذلك إنعامًا، ولا يحسبونه انتقامًا، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتهاعلموا أنهم لفي خسران، وقد اتَّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام. اهـ.